ابن كثير
103
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فأين النار ؟ فقال ابن عباس رضي اللّه عنه : أين يكون الليل إذا جاء النهار ، وأين يكون النهار إذا جاء الليل ؟ « 1 » وقد روي هذا مرفوعا ، فقال البزار : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا المغيرة بن سلمة أبو هشام ، حدثنا عبد الواحد بن زياد عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن الأصم ، عن عمه يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، قال : جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : أرأيت قوله تعالى : جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فأين النار ؟ قال : « أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء ، فأين النهار ؟ » قال : حيث شاء اللّه ، قال « وكذلك النار تكون حيث شاء اللّه عز وجل » . وهذا يحتمل معنيين [ أحدهما ] أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان ، وإن كنا لا نعلمه ، وكذلك النار تكون حيث يشاء اللّه عز وجل ، وهذا أظهر كما تقدم في حديث أبي هريرة عن البزار . [ الثاني ] أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب ، فإن الليل يكون من الجانب الآخر ، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السماوات تحت العرش وعرضها ، كما قال اللّه عز وجل كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الحديد : 21 ] والنار في أسفل سافلين فلا تنافي بين كونها كعرض السماوات والأرض وبين وجود النار ، واللّه أعلم . ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ أي في الشدة والرخاء والمنشط « 2 » والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال ، كما قال الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً [ البقرة : 274 ] والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة اللّه تعالى والإنفاق في مراضيه . والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر . وقوله تعالى : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه ، وعفوا مع ذلك عمن أساء إليهم . وقد ورد في بعض الآثار « يقول اللّه تعالى : يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت ، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك » ، رواه ابن أبي حاتم . وقد قال أبو يعلي في مسنده : حدثنا أبو موسى الزمن ، حدثنا عيسى بن شعيب الضرير أبو الفضل ، حدثني الربيع بن سليمان الجيزي عن أبي عمرو بن أنس بن مالك ، عن أبيه ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « من كف غضبه ، كف اللّه عنه عذابه ، ومن خزن لسانه ، ستر اللّه عورته ، ومن اعتذر إلى اللّه ، قبل اللّه عذره » وهذا حديث غريب ، وفي إسناده نظر .
--> ( 1 ) قارن بتفسير الطبري 3 / 437 ، إذ ثمة اختلاف في صيغة العبارة . ( 2 ) أي الأمر الذي ترغب فيه فتنشط له .